عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
483
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
قال ميمون بن مهران فانتهيتُ إِلَيْهِ فاستأذَنتُ فدخلتُ عليه ، وإذا تحته مِسحٌ ( 1 ) خلق وشاذكونة خلقة ومرفقة ( 2 ) قد ترفق بها ، فوسَّع لي لأجلس معه ، فجلست مقابله ، فقلت : ما ها هنا أحبُّ إلي وإذا بين يديه مائدةٌ عليها ثلاثةُ أرغفةٍ وقصعة فيها خَل وزيتٌ . فقلت : هذا طعامُك في كل يوم ؛ فَقَالَ : إِنَّ أمير المؤمنين صيَّر الدهر أثلاثًا : فيومٌ خبزٌ ولحم ، ويومٌ لبن ، ويومٌ خبزٌ وزيت . فبينا أنا كذلك إذ جاء غلام له فَقَالَ : قد فَرَّغناها . فأعرض عنه فعاود ، فقلت : ما هذا الَّذِي فرغ ؟ قال : الحمام . قلت : هل الحمامُ لك ؟ قال : لا . قلت : فلأحد من إخوانك ؟ قال : لا . قلت : فلأحدٍ من أهل بيتك ؟ قال : لا . قلت : فلأمير المؤمنين ؟ قال : لا . قلت : فبم استحللتَ أن تفرغَ حمامَ المسلمين فلَعلَّ إذا رجل يجيء من أقصى المدينةِ فيحالُ بينه وبين الحمام ، أو تعطيه بقدر شغل حمامه ؛ فهذه نفقةٌ باطلة ، هذا أريد أن أُنهيَهُ ( 3 ) إلي أمير المؤمنين . قال : أوتسترُ علي يا عم ، واللهِ ما يسرني أنه وَجَدَ عليَّ ساعة من نهار ، ثم أتاني عنه الرضا ، ولا أنَّ ليَ الدُّنْيَا وما فيها ، ولك عليَّ ألا أدخل الحمام إلا ليلاً ومع ضعفةِ الناسِ . قال : قلت له : افعل . فخرجت من عنده ، فما رأيت أفضل من عمر بن عبد العزيز ، ولا ابنًا أفضل من عبد الملك - رضي الله عنهما . وقد رُويته هذه القصة من وجه آخر ، وفيه : أن عبد الملك قال : لولا برد بلادنا ما دخلته - يعني : الحمام - ليلاً ولا نهارًا . وأنه إِنَّمَا كان امتناعه من دخوله مع الناس ، خشية أن يرى فيه منكرًا ، { فيؤدب } ( 4 ) فاعله ، فربما خشي أن يجاوز حدَّ الأدب { أو أن يُنسَبَ } ( 4 ) إِلَى شيء من الظلم في ذلك ، وسيأتي { ذكر } ( 4 ) ذلك فيما بعد - إِنَّ شاء الله تعالى .
--> ( 1 ) المسح : الكساء من الشعر . " لسان العرب " ( 2 / 596 ) . ( 2 ) المرفقة : المتكأ والمخدة . ( 3 ) أنهيه . أنهي الشيء أي أبلغه ( 4 ) طمس بالأصل ، والسياق يقتضيها .